السيد محمد تقي المدرسي
52
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)
تتكاثر وتتنوع فتصبح حضارة . ولكنني أفضل الاستفادة من التعبير القرآني الأدق والأصح وهو ( الكلمة الطيبة ) استيناساً بقوله سبحانهوتعالى : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِيالسَّمَآءِ ) ( إبراهيم / 24 ) . وإذا أردنا تعبيراً مناسباً لفكرة الحضارة ، فأظن أن أرجح تعبير عن ذلك هو كلمة ( المائدة السماوية ) . ولعل الأسباب الكامنة وراء اختيار هذه التسمية هي : 1 / إن مفردة الحضارة مستمدة من الحضور ، بمعنى أن يكون هناك أناس حاضرين إلى آخرين حاضرين . وبعضهميسميها بالمدينة ، إذ المجموع يجتمع في مدينة واحدة . وكان العرب من قبل يميزون بين الحضارة وغيرها على هذاالأساس ، حتى قال شاعرهم : ومن تكن الحضارة أعجبته * فأي رجال بادية ترانا نظراً إلى أن البدو في الصحراء القاحلة لا يجتمعون على شيء ، خلافاً للحاضرين في المدينة . وعلى هذا الأساس فإنالحضارة والمدنية شيء واحد ، باعتبار أن المدنيين يجتمعون إلى بعضهم ، فلا حضارة دون مدينة ، ولا مدينة دونحضارة . 2 / لما كان الحضور والاجتماع هو الأساس ، فهل يمكن تصور حضور واجتماع دون محور مشترك أو داع مقنع ؟ والجواب هو النفي قطعاً ، إذ الناس لا يجتمعون ولا يحضرون في مكان واحد صدفة ؛ فقد يكون الماء - الذي هو وجهالحياة - أو التجارة أو الفكرة أو المسجد أو . . أساس حضورهم . وحينما ندرس تاريخ المدن نكتشف بأن كل مدينة قدتأسست بسبب محور ما ؛ فمثلًا كانت الجزيرة العربية قليلة المياه ، وكان الناس يجتمعون حول الماء أينما وجدوه ، ثميتكاثر الجمع حتى يشيدوا مدينة وحضارة . . ولم تكن مدينة مكة المكرمة استثناء عن هذه القاعدة ، حيث شيدت علىأساس بئر زمزم التي تفجرت تحت قدمي النبي اسماعيلعليه السلام ، ثم تكرست مدنية الجمع بعد أن شيد النبي